صديق الحسيني القنوجي البخاري

454

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال ابن عباس : الروح الرحمة ، يعني أنه استعير الروح للرحمة ، وقيل إنه مصدر بمعنى الرحمة . إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ لكونهم لا يعلمون بقدرة اللّه سبحانه وعظيم صنعه وخفيّ ألطافه ، والمؤمن يصبر عند البلاء وينتظر الفرج والرحمة فينال به خيرا ويحمد اللّه عند الرخاء ، والكافر بضد ذلك . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 88 إلى 92 ] فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ( 88 ) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ( 89 ) قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 90 ) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ( 91 ) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 92 ) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ أي على يوسف عليه السلام والتقدير فذهبوا كما أمرهم أبوهم إلى مصر ليتحسسوا من يوسف عليه السلام وأخيه ، فلما دخلوا على يوسف عليه السلام قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ أي الملك الممتنع القادر ، وكان العزيز لقب ملك مصر يومئذ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ أي الجوع والحاجة . قال قتادة : الضر في المعيشة وعدلوا إلى الشكوى لأن المتحسس يتوصل إلى مطلوبه بجميع الطرق ، والاعتراف بالعجز وضيق اليد وشدة الحاجة مما يرقق القلب ، فقالوا نختبره بهذه الأمور فإن رقّ قلبه لنا ذكرنا المقصود ، وإلا شكونا . وفيه دليل على أنه يجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه ، كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة . وعبارة أبي السعود وإنما لم يبدؤوا بما أمروا به استجلابا للرأفة والشفقة ليبعثوا بما قدموا من رقة الحال رقة القلب والحنو انتهى . وهذه المرة التي دخلوا فيها مصر هي المرة الثالثة كما يفيده ما تقدم من سياق الكتاب العزيز . وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ البضاعة هي القطعة من المال يقصد بها شراء شيء يقال أبضعت الشيء واستبضعته إذا جعلته بضاعة ، وفي المثل كمستبضع التمر إلى هجر ، والإزجاء السوق بدفع . وقال الواحدي الإزجاء في اللغة السوق والدفع قليلا قليلا ، ومنه قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً [ النور : 43 ] والمعنى أنها بضاعة تدفع ولا يقبلها التجار . قال ثعلب : البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة . قال أبو عبيد : إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة .